أسس ومبادئ النهضة والتغيير

 

أسس ومبادئ النهضة والتغيير

من الأرشيف

التاريخ: 09/05/2008
الكاتب: د. مصطفى الشافعي

http://el-3amal.com/news/news.php?i=18197

بسم الله الرحمن الرحيم
 
 لقد كان يوم 6 أبريل علامة هامة في تاريخ مصر…مصر القرن الواحد والعشرون. إنه يوم صحوة شباب مصر وشعب مصر، ليقوم باقتحام عنيد لكل العوائق والموانع التي تعترض طريقه إلى العزة والكرامة. فهو بحق هو يوم ولادة جديدة لشعبنا العريق وبداية النهضة لأمتنا بعد ثباتها الطويل. أن الصحوة الشعبية والتغيير ثم النهضة الشاملة هو أملنا الوحيد في أن نسمو بواقعنا إلى مستوى آمالنا، إما أن نعيش حياة عزة وكرامة أو نستسلم لدوامة الفقر وذل التبعية والاستبداد وظلام التخلف و الجهل.
 إن هدفنا القومي السامي هو تحقيق طفرة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية شاملة تفجر طاقات البشر وتستغل الموارد الاقتصادية ليصل المجتمع إلى أعلى مستوى من الرخاء الاجتماعي والحريات السياسية والاقتصادية والعدالة الاجتماعية والقيم الأخلاقية ، في جو من التنافس البناء الذي يمكن للمواطن أن يعطى أقصى طاقاته و يجنى ثماره ويعمر أرضه ويحافظ على بيئته ويقدس قيمه الروحية والثقافية العريقة.
 علينا أن ندرك أن وسائل العمل التقليدية لم تعد قادرة على أن تطوى مسافة التخلف الذي طال مداه بين أمتنا وبين غيرها من الأمم المتقدمة، ولابد والأمر كذلك من مواجهة جذرية للأمور؛ ودماء جديدة وقيادة جديدة بفكر جديد تكفل تعبئة جميع الطاقات المعنوية والمادية لشعبنا العريق لتحمل هذه المسئولية التاريخية.
 
 وهناك مبادئ وأسس هامة لابد أن تقوم عليها نهضتنا وهي مستمدة من تاريخنا العريق ومن التجارب الناجحة للأمم الأخرى وهي مقومات لابد من توافرها لإحداث الطفرة المطلوبة:
 
 المبدأ الأول: الإنسان الحر هو الوسيلة الرئيسية لعملية التنمية، وهو في الوقت ذاته غايتها. علينا أن ندرك أن أهم وأكبر ثروة في بلدنا الحبيب هي ثروتنا البشرية. فالإنسان هو أهم ثروة في المجتمع وهو المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي وهو أهم منتج له ومنتج له. فعملية التنمية كي تتحقق على ارض الواقع لابد أن تبدأ من الأصل أو من القاعدة، أي من الإنسان وتنتهي في كل مرحلة من مراحلها المستمرة والمتصاعدة بالإنسان وللإنسان. والمقياس الحقيقي لنجاح برامج التنمية هو ما أنجزته للإنسان من تنمية بشرية بكل أشكالها من تعليم وتدريب ورعاية صحية وحرية اقتصادية وسياسية ورخاء اقتصادي وقيم دينية وخلقية. والحقيقة انه لا يمكن تحقيق التنمية الصحيحة للفرد والوصول إلى الاستفادة الكاملة لمهاراته وطاقاته بدون أن يكون متمتعا بالحرية في فكره وفي ممارسة وطنيته في حدود ثوابت المجتمع. وقد أجمعت نظريات التنمية الاقتصادية الحديثة أن مقياس التقدم ليس بما يحققه مجتمع ما من إنتاج أو دخل إنما يقاس بما حققته الحركة الاقتصادية من تنمية بشرية للأفراد.
 
 وإذا نظرنا إلى تاريخ النهضة الأوربية فقد كان إعلان وثيقة حقوق الإنسان هي نقطة التحول في تاريخ فرنسا الحديث. أما في تاريخ أمريكا، فقد بدأت نقطة التحول بوضع تصور لحقوق الإنسان والضمانات المطلوبة للحريات، فوضع الدستور الأمريكي متضمنا وثيقة الحريات ليرسم النظام السياسي للمجتمع الذي يحقق ويضمن الحريات المطلوبة. فكان الهدف من النظام السياسي واضحا، وهو تحقيق وضمان الحريات المطلوبة . ومازالت تقاس القوانين والتشريعات ونجاح أي حكومة بمدى ما تحقق من هذه الحريات. وكانت هذه الحريات ومبادئ الدستور من العلم الضروري الذي يحفظه كل صغير وكبير. وأصبحت الممارسة الصحيحة طبقا لهذا لعلم الضروري حتما لازما لضمان نجاح هذا النظام. وعندما بدأ النظام الأمريكي في تشريع قوانين استثنائية بعد أحداث 11 سبتمبر، حدث خلل كبير وتخبط في منظومة المجتمع الأمريكي، وطالب الكثير من المفكرين الأمريكيين بسرعة إلغاء هذه القوانين الاستثنائية لإنقاذ منظومة المجتمع الأمريكي من التهاوي والانهيار.
 وإذا نظرنا إلى المنهج الرباني لبناء الحضارة الإسلامية نجد أن الله عز وجل عندما أراد أن يعد أمة لتقود المجتمع البشرية، أرسل الآيات القرآنية أولا تدعوا لإخراج الناس من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد. وعندما شرع فرائضه دعا الناس ليكونوا أحرارا طائعين مأجورين وليسوا عبيدا مسخرين. لأن الله يعلم أن العبد المسخر المقهور لا يمكن أن يكون داعيا أو قائدا، ولا يمكن بالتالي أن يقيم دولة لها عزة وكرامة، تحرر البشرية من عبودية العباد وتنشر العدل و الفضيلة بين الأمم. ثم إنه حرص علي أن يكون الفاصل واضحا بين الدعوة والداعي، بين المنهج والمنفذ، بين النظام والقيادة. و كان من العلم الضروري الذي يتلقاه المسلم منذ طفولته المبكرة :
 
 1-لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
 2- لا إكراه في الدين .
 3- إن الله يأمركم أن تؤدو الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل .
 4- لا ضرر و لا ضرار.
 5- كلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين .
 6-و أمرهم شورى بينهم .
 7-لعن الله الراشي و المرتشي.
 8- من غشنا فليس منا.
 9- وتعاونوا على البر و التقوى و لا تتعاونوا على الإثم و العدوان.
 10- و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين .
 11- من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته
 12-من رأى منك منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.
 
 وكانت هذه المبادئ وغيرها من المبادئ السامية هي العلم الضروري الذي يحفظه كل مواطن منذ طفولته، فيراقب ويقيس ويصحح سلوكه ونشاط المجتمع بأسره من حوله بكل صبر وإصرار.
 فالإنسان وفقا لهذا المنهج الرباني هو بحق الوسيلة الرئيسية لعملية التنمية، وهو المسئول عنها، وهو في الوقت ذاته غايتها.
 ولقد أثبتت التجارب التي مرت بها شعوب المنطقة في القرن الماضي أن فرض أساليب للتنمية تهمل أو تتعارض مع التاريخ الثقافي والقيم الروحية لمجتمعاتنا، أثبتت فشلها تماما في تعبئة طاقات الشعوب لمواجهة التحدي الحضاري، بل على العكس أدت إلى خلق تناقضات خطيرة وردود فعل وظهور تيارات دينية متطرفة وصراعات أهدرت الطاقات وأسالت الدماء و ملأت السجون و المعتقلات.
 
 ولهذا أيها ألإخوة إن أهم سمة لنهضتنا هو إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله، ورسالاته القدسية التي بعثها بالحق والهدى إلى الإنسان في كل زمان ومكان.
 
 
 المبدأ الثاني: هو أن الإصلاح لا يتجزأ، فالإصلاح يجب إن يكون شاملا، قضائيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، فأي محاولة للإصلاح في جهة واحدة ستبوء بالفشل، وربما بنتائج عكسية إذ لم يصاحبها إصلاح مماثل في الجهات الأخرى. فالإصلاح الاقتصادي وحده مع إغفال الجانب الاجتماعي سيؤدى حتما إلى نتائج خطيرة عكسية في المجتمع تهدد بفشل الإصلاح نفسه وتخلق تناقضات و صراعات اجتماعية خطيرة. والإصلاح الدستوري جزء لا يتجزأ من التغيير الشامل والإصلاح الشامل. علينا أن نعي تماما أن التغيير ليس مجرد تغيير نص أو أكثر في الدستور. إن ما نعنيه بتغيير الدستور هو رسم الطريق لنهضة شاملة وولادة جديدة لمصر القرن الواحد والعشرين. فتعديل الدستور ليس شعارات ترفع وليس مناورات سياسية ومكاسب فردية، وليس أحد المسرحيات التهريجية السياسية، ولكنه مهمة تاريخية لرسم مستقبل لأمة، إنها قضية ملايين طحنهم الفقر وأنهكهم المرض، قضية أمة عريقة تخلفت وقضية أمة أبية زلت وتذللت.
 
 
 المبدأ الثالث: تأكيد وتفعيل دور المنظمات غير الحكومية كالنقابات والجمعيات الخيرية باعتبارها من أهم آليات النظام الجديد في إحداث التوازن الاجتماعي وخاصة في فترات التغيرات السريعة المتوقعة، فهي تعمل على تجميع الأفراد تحت مظلات اجتماعية كبيرة لحمايتهم ورفع المستوى الاجتماعي والمهني لهم، وتستفيد من طاقات الشباب المعطلة وتبعث روح العطاء والعمل التطوعي. ويجب أن يفتح الدستور الجديد الطريق لهذه التكتلات الشعبية للمشاركة أيضا في القرار السياسي والتشريعي الذي يمكن أن يؤثر بطريق مباشر أو غير مباشر في منسوبيها وفي تأثيرها الاجتماعي. الحقيقة أيها الأخوة أن كثير من هذه المنظمات تعتمد أساسا عل العمل التطوعي فتزيد من تفاعل الفرد مع مجتمعه وإحساسه بالمسئولية وتحول المواطنين من السلبية إلى الإيجابية ومن اللامبالاة إلى الاكتراث والاهتمام، وتخرج الفرد من محيط نفسه الضيق إلى محيط أمته الواسع. وهناك قضايا كثيرة ممكن أن تقوم هذه المنظمات بتقديمها. الموضوع كبير ويستحق مقال منفصل، ولكن باختصار نحن بحاجة إلى تفعيل منظمات حقوق الإنسان ومنظمات لحماية البيئة ومنظمات حماية المستهلك وحماية المريض ومنظمات لمكافحة الأمية ولتأهيل الشباب العاطل ولمساعدة الشباب على الزواج ولحل المشاكل الأسرية ومكافحة الإدمان وحتى لحماية الحيوان. وتفعيل دور النقابات و الاتحادات لتقديم الخدمات الاجتماعية والتدريبية والقانونية لمنسوبيها. وهذه المنظمات هي الصورة الجديدة للأمر بالمعرف والنهي عن المنكر اللذي حافظ على مجتمعاتنا مئات السنين، { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران104) ، فهي آلية هامة للتصحيح الذاتي في المجتمع وإيجاد التوازن الاجتماعي وحماية الضعفاء وضمان وصول الخدمات لمستحقيها. فعلينا أن نغير من أسلوب حياتنا ونتحول من السلبية إلى الإيجابية ونتعاون جميعا في إيجاد حلول للمشاكل الكثيرة التي تواجه شعبنا بصبر وإصرار حتى نحقق آمالنا.
 
 المبدأ الرابع: إن من سمات أي حضارة وجود قضاء عادل وحازم وسريع، يحمي الضعيف ويقتص للمظلوم مهما صغرت مظلمته ويأخذ بيد الظالم مهما علت منزلته. فينشر الإحساس بالأمن والعدل، وبالمحاسبة والمسؤولية في شتى العلاقات والمعاملات في المجتمع. ولعل كلمة “حكومة” قد نشأت من “الحكم” بين الناس ، و ليس “التحكم” في الناس. وترجع أهمية النظام القضائي إلى أنه يضمن اتزان النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. والقضاء عامل هام في زيادة كفاءة الأفراد والمؤسسات وتوجيه طاقات المجتمع إلى البناء بدلا من تبديدها في المشاكل، واستغلال موارده بدلا من تجميدها في المنازعات التي تؤدي في النهاية إلى خسارة لجميع الأطراف. ووجود قوانين واضحة ونظام قضائي سريع من أهم المؤشرات التي تأخذها رؤوس الأموال العالمية في الاعتبار عند تقييم المناخ الاستثماري للمناطق والبلاد حول العالم. ويجب أن ينص الدستور على الحد الأدنى لنسبة القضاة لعدد السكان ونسبة وتوزيع المحاكم الجزئية والابتدائية لعدد السكان وزيادة أعداد الكادر القضائي وتدريجها ليكون هناك قاضي لكل شارع وكل حي. ولكي تقوم السلطة القضائية بدورها في إحداث الاتزان المطلوب لابد للدستور أن يضمن لها ضمانات الحماية والاستقلالية ويوفر لها الإمكانيات، وهذا ما سنعرضه بالتفصيل في المقالات القادمة إنشاء الله.
 
 المبدأ الخامس: أن يكون هناك نظاما سياسيا متعدد الأقطاب يحمى عملية التنمية والتغيير ودافعا لها ومستمرا لا تتغير أهدافه واستراتيجياته بتغير الأفراد، مع تحقيق حالة من الاتزان والمراجعة بين سلطات هذه الأقطاب في الدولة، و وجود نظاما للمراقبة والمحاسبة متبادلا بين الشعب ومؤسساته وبين الحكومة بشتى مؤسساتها. إن الهدف أساسا من التطوير السياسي هو تحسين أداء الدولة عموما كنظام سياسي وإداري بتقسيم العمل والتخصصات بما يحقق المصلحة القومية. وضمان اتزان بين مركزية الحكومة المطلوبة لعمل المشروعات القومية واللامركزية للمحليات باعتبار أن المحليات أكفأ وأكثر فعالية في توصيل الخدمات للمواطنين. وخلق مناخ للتفريخ المستمر للقيادات الجديدة لتبقى أمتنا شابة تجدد دمائها بقيادات جديدة فتختار خير أبنائها وتعدهم لتولي قيادتها بحماس جديد وعلم متجدد يتمشى مع التعقيد المتزايد في المصالح الاقتصادية والعلاقات السياسية.
 وعندما تم صياغة الدستور الحالي في إثناء حرب الاستنزاف سنة 1971 كان هدف الأمة واحدا ومحددا وهو إزالة أثار عدوان 1967 . وكان لابد من صياغة الدستور لإعطاء رئيس الجمهورية صلاحيات استثنائيات تمكنه من تعبئة الإمكانيات اللازمة لاتخاذ قرار الحرب.
 وربما كان مقبولا أيضا في هذا الوقت في مثل هذه الظروف أن تحجم المؤسسات التشريعية والرقابية لضمان السرية التامة لهذا القرار الخطير. وتنازلت مؤسسات الدولة وتنازل أبناء الوطن طواعية عن كثير من حقوقهم المشروعة تحت شعار”لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” بالرغم من المشاكل الكثيرة والمبادئ البالية التي ورثها دستور 1971 من الدستور السابق، دستور 1964 المؤقت. إلا إن دستور 1971 كان مناسبا للمهمة التي صيغ من أجلها. وبعد انتهاء حالة الحرب وتوقيع اتفاقية كامب ديفد أصبح دستورنا بلا هدف، ونتج عن ذلك عشوائية في القرارات وتخبط في القوانين وشلل كبير في الحياة الديمقراطية وتركيز سلطات كبيرة في أفراد معدودة مع ضعف شديد في فاعلية المؤسسات الرقابية ومركزية عقيمة. وأصبحت المؤسسات الحكومية والغير حكومية عاجزة عن أن تساير التغييرات الكثيرة والسريعة التي تمر بها أمتنا وغير مؤهلة لمواجه تحديات التنمية وتحقيق الآمال المنشودة لأمتنا. وبدون وجود الهدف القومي السامي ووضوحه على مستوى الفرد والجماعة والمؤسسات المختلفة سوف تتزايد العشوائية الاجتماعية وتتبدد الجهود وتكثر الأهواء، وتصبح المحصلة صفرا في جميع الاتجاهات. فمهمة الدستور الجديد إذا هي وضع هيكل لمنظومة الدولة الحديثة لإحداث هذه الطفرة التاريخية المنشودة لبناء مصر القرن الواحد والعشرين.
 
 د. مصطفى الشافعي
 cairo21@gmail.com

 

شارك برأيك

Leave a Reply

  

  

  

You can use these HTML tags

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>